التسمم التلفزيوني
دكتورة الأدب الإنجليزي الأمريكية التي تطلب منا مشاهدة برامج تلفزيونية والكتابة عنها، وتعرض علينا بين فترة وأخرى مسلسلات وأفلاما ضمن مادة الكتابة الإنجليزية، أخبرتنا بأنها قاطعت مطعما في المدينة التي تسكنها لأن إدارته وضعت مؤخرا تلفزيونات يمكن للأطفال في المطعم أن يشاهدوها حتى ولو لنظرات خاطفة. مقاطعتها هي وزوجها وطفلتاها المراهقتان ردة فعل لأنها ترفض أن يشاهد أطفالها تلفزيونا بدون أن تكون على دراية بما يبث. وعلى النقيض المضحك فإن أغلب أفراد العائلة السعودية مؤمنون بأن التلفزيون بكل قنواته حق للجميع. وبعض المنازل مزودة بأكثر من جهاز، لأنه يأتي لدى البعض في اعتبارات مجتمعية كحق يضمنه القانون الطبيعي كالتنفس والأكل والنوم.
على المستوى الشخصي أنا من جيل تلفزيون الثمانينات الميلادية، حين كانت متابعته في قرية جنوبية قطعة من عذاب، حيث تحريك “الأريل” ووزن ريشاته بحثا عن بقايا ذبذبات القناة الأولى والثانية. حين كان وسيلة ترفيهية إخبارية مقسمة لكل أفراد الأسرة. فنصف ساعة صباحا ومساء هي فترة الكارتون الترفيهية للأطفال، بعد ذلك لا يبقى له أي أهمية تذكر، لدرجة أن من يتغيب عن المدرسة لا يضع في خطته التسلية بالتلفزيون. هذه الذكريات التي يشاركني فيها الكثيرون، اعتقد أنها جديرة بالمقارنة مع الكم المهول من القنوات الفضائية المؤدلجة والهابطة والسقيمة التي يتعرض لها الطفل السعودي اليوم على مدار الساعة. بل إن كثيرين يتباهون عبر مقاطع متوفرة على اليوتيوب بأن أطفالهم يقلدون الشاعر الفلاني والممثلة أو المطربة الفلانية في دليل واضح على انتهاك طفولتهم وتسميمهم فكريا وروحيا بتعريضهم للهابط وغير المخصص لهم من البرامج.
أنا لا أتباكى على أيام وصاية القناة الأولى والثانية، ولا أطالب برقابة على الفضاء. ولكنني أشعر برعب وكبر مسؤولية كل أب وأم في البيت السعودي. وعندما أعتبرها مسؤولية كبيرة فلأن المسؤولية الأخلاقية الصغرى على شركات إنتاج المواد التلفزيونية في تصنيف كل ما تنتجه حتى تساعد الأب والأم في البحث عن المخصص والصالح للأطفال. وعندما أقول مسؤولية أخلاقية فلأنه لا يجود قانون يجرم شركات الإنتاج والقنوات الفضائية من إنتاج وبث غير مصنف. وبما أنني استشهدت بذكر أيام تلفزيون الثمانينات، وعلى طريقة المصارعة الحرة تلك الأيام، أسدد هذه الضربة القاضية، بالاستشهاد بأن المطربة الأمريكية مادونا [1]تصرح دائما بأنها لا تسمح لأطفالها بمشاهدة التلفزيون، وإن سمحت، فلبرامج مخصصة ولدقائق محددة.
المصدر: جريدة الوطن [2]
الصورة المصاحبة: رسم توضيحي للبرنامج التلفزيوني “Family Guy”