مصلح جميل

مؤمن أن الصورة الفوتوغرافية قادرة دائما على “أيقنة” الحدث بروحه وشكله واختزاله في هذا الشكل المكبسل من الصورة (الايقونة). كارثة جدة التي راح ضحيتها أكثر من مئة إنسان كانت فرصة عظيمة لكل مصور صحفي لالتقاط الكارثة وتصويرها واختزالها في صورة واحدة تكبسل الحدث وتوثقه وتسوقه، ولكن إلى لحظة كتابة هذه المقالة لم أرى صورة واحدة تحمل روح الكارثة وتصدم المشاهد وتنقله إلى حالة الكوارثية التي عاشها الإنسان في جدة/الحدث ومن ثم تبقى هذه الصورة في ذهن الملتقي كأيقونة لما حدث.
وفي التاريخ الفوتوغرافي أمثلة كثيرة على صور فوتوغرافية اختزلت أعواما من الحروب والكوارث، منها صورة (أم مهاجرة [1]) للمصور الأمريكية (دوروثا لانق) اختزلت وكبسلت ووثقت وأيقنت وسوقت لحالة الكساد العظيم في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الثلث الأول من القرن الماضي. صورة واحدة (موت الجندي [2]) لروبرت كابا اختزلت وأيقنت ووثقت الحرب الأهلي الاسبانية. صورة واحدة (امرأة تنتحب [3]) للمصور الهندي اركو داتا أيقنت وكبسلت وصدمت وسوقت لكارثة تسونامي. صورة واحدة (صورة الطفلة السودانية التي تموت جوعا بينما نسر يقنصها [4]) للمصور الجنوب إفريقي كيفن كارتر صفعت العالم واختزلت المجاعة في السودان في تسعينات القرن الماضي في صورة واحدة لا تزال تصفع الذاكرة البشرية وتختزل روح كل الأبرياء اللذين ماتوا جوعا. الأمثلة كثيرة للصور الفوتوغرافية التي اختزلت الكوارث والحروب في صور يظهر فيها وجه الإنسان وجسده في أقصى حالات الألم والتأثر والفجيعة.

وحينما قلت أن كارثة جدة التهمت أكثر من مئة إنسان، كنت متعمدا لان اذكر الإنسان الضحية رغم الخسائر الفادحة في الممتلكات من سيارات ومنازل ومتاجر وممتلكات شخصية وعامة. نعم، الممتلكات ضحية أخرى لهذه الكارثة ولكن أين الوجع والفجيعة الإنسانية من كل الصور التي شاهدناها؟ أين الموت ومظاهر الموت والخسارة الإنسانية من كل الصور التي أمطرتنا بها الصحف السعودية ووكالات الأنباء وصور الهواة والمواطنين ومجموعات الفيسبوك؟
كمصور، لا ادري ما شكل هذه الصورة أو كيف وأين يمكن أن تلتقط. ولكنني لم أرى أي صورة يمكن أن تسوق الحدث/الكارثة على المستوى الإنساني. لقد تعاطفت كثيرا مع حطام السيارات التالفة والمتتلكات المدمرة ولكننا كمواطنين نحتاج إلى صور لنعيش مأساة الحدث كما عاشها الضحايا بقدر ما عشنا مشاهد أكوام السيارات. نحتاج صورا صادمة ومؤلمة للذاكرة السعودية لان هذا سبيل الشعور والإدراك والمشاركة بما حدث وفي ما حدث. كمتلقين بعيدين عن ساحة الحدث نحتاج أن نرى الفجيعة والبؤس في صورة للتاريخ والصحافة والذاكرة الشعبية. صورة تنقل لنا بدون أن نقرأ التعليقات والأخبار أن ذلك الإنسان السعودي في ذلك المكان من السعودية عاش تلك الكارثة، صورة تجعلنا نشعر وندرك وليس مجرد صورة للمشاهدة.
ورغم أن قلة من الصور الصحفية التي نشرت في الصحف السعودية تتسم بمعايير جيدة من الاحترافية إلا أن الفرصة لا تزال أمام المصورين الصحفيين لدفع حدود العمل الصحفي الفوتوغرافي إلى ابعد من الحدود التي تعودنا عليها محليا. وكانت الفرصة سانحة لكثير من المصورين الصحفيين التواجد في قلب الحدث بعد ساعات من حدوثه بسبب تواجد الكثير من مصوري الصحف ووسائل الإعلام في مكة لتغطية الحج. وكانت الفرصة ولا تزال سانحة بسبب الدعم الرسمي الذي ستجده الصحافة بالسماح بالوصول إلى أماكن الحدث والسماح بالتقاط كل صورة ممكنة حيث تعمل الحكومة مع الصحافة لفضح الحدث وتجريده وكشف ملابساته. لذا يجب على المصور الصحفي السعودي في هكذا أزمات الانفلات من فكرة العمل الصحفي اليومي الذي يربطه به ساعات دوام محددة أو فكرة الحصول على صورة عاجلة للنشر صباح اليوم التالي. الفرصة لا تزال سانحة من اجل توثيق البعد الإنساني وايقنة الحدث وتوثيق الكارثة بصريا وإنسانيا للأجيال والتاريخ.
الصور المرفقة:1-من جريدة الرياض. 2-ثلاث صور تظهر عليها اسماء مصوريها والروابط المدمجة في المقالة تقود الى مصادرها.