فاترينة الاعالي

 

منذ عدة سنوات لم اعد احمل معي اي كاميرا احترافية حين اسافر في اجازة.  ولهذا عدة اسباب ليس هنا مقام ذكرها ولكني في لحظات اتمنى ان معي كاميرا وعدسات احترافية، و اخر هذه اللحظات حين صعدت الدور السابع لمقهى ومطعم فندق ( Best Western Plus the President Hotel) في اسطنبول وقت الغروب ليس من اجل التصوير ولكن لمشاهدة الغروب على مضيق البسفور وجامع السلطان احمد ولكن حين لمحت هذه الفاترينة في الجهة الاخرى معلقة بين اسطح المباني لم اتمالك نفسي من التركيز عليها ومحاولة التقاط صورة  تظهر التباين بين ظلمة المكان وانارة فاترينة ازياء السهرة! بين دفء تلك الاضاء وما يشبه الصقيع على بقية المكان. مشهد المانيكان بتلك الاضاءة والالوان بين اسطح منطقة الفاتح في اسطنبول كان مشهدا مختلفا. لماذا توجد نافذة العرض تلك بذلك الارتفاع؟ هل هي لمتسوقي النوافذ من سكان الادوار العليا؟ هل هي تجسيد حرفي للازياء الراقية؟ لا ادري، ولكنه مشهد ولحظة تستحق صورة.

لم يكن معي الا كاميرا كانون المدمجة G7X التي احملها في احيان للتوثيق، وبدون حامل كاميرا  وزاوية ضيقة وتعريض صعب، ولا يمكنني استعمال حساسية عالية مع هذه الكاميرا الصغيرة. التقطت عدة صور وكان هناك تباين بين السماء والفاترينة لذا قررت الانتظار لعدة دقائق  لحين توازن اضاءة السماء و اضاءة الفاترينة، وكان انتظار مثمر، فحين حلت اللحظة المناسبة لاحظت منارات المسجد قد اضيئت مما جعلني اقرر ان ادرج المسجد في الصورة. ورغم انني لا احب توسيط الموضوع في الكادر وكنت مجبرا هنا الا انني اعتقد انه تكوين موفق. بعد لحظات من التقاطي لهذه الصورة بدأت بعض النوافذ تضيء والسماء تظلم وتختفي معالم بقية المكان ولكن الفساتين بقيت متوهجة بانتظار مساء صاخب.

التعريض: سرعة غالق ١٣ جزء من الثانية وفتحة عدسة ٢.٨ وحساسية ٢٠٠.

حلم ليلة صيفية – تصوير قسورة

وكنت قد عدت قبل ايام لتصفح ارشيف المرحوم الدكتور والاخ والصديق الفنان طارق الجهني ( قسورة ) رحمه الله، وشعرت برغبة في ان اسرد بعض القصص التي عايشتها حول بعض صوره التي التقطها خلال رحلاتنا معا. وعلاقة الصداقة والاخوة التي ربطتني بطارق لعدة سنوات سبق وكتبت عنها مقالة كانت لتنشر في كتاب كان مقررا له الصدور قبل عدة سنوات بعد وفاته رحمه الله من قبل بعض محبيه واقاربه، ولم يصدر الكتاب حسب علمي، بكل اسف. وساعود للكتابة عن طارق الصديق والملهم والمعلم، اما في هذه السلسلة سأكتب وأعرض بعضا من اعماله رحمه الله.

هذه الصورة التي عنونها ( حلم ليلة صيفية ) التقطها على شاطئ العقير بالمنطقة الشرقية حيث كنا في رحلة تصوير انا والاصدقاء عبدالغفار المطوع ومحمد الخباز وحسن النمر و ثامر الجهني في ٢٠ من شهر يوليو ٢٠٠٣م م وامضينا ليلة على البحر مجتمعين حول النار طوال الليل في احاديث جلها عن التصوير. وكان الهدف من تلك الرحلة هو التصوير عصرا والنوم على شاطئ العقير ومن ثم التصوير صباحا. واثناء جلسة السمر ليلا، ظهر القمر، فتحمس طارق واخرج كاميراته المينولتا الصغيرة (Minolta 700x) التي كان يحبها كثيرا ووضعها على حامل ثلاثي باتجاه القمر وفي مقدمة الصورة عدد من النخيل التي يتميز بها شاطئ العقير. لا اذكر الفيلم المستعمل ولا بقية الاعدادات. والتعريض حسب ما ذكره طارق انه اكثر من ٥ دقائق، وهذا يبدو من تعريض القمر. ويبدو لي ان الفوكس كان على القمر او على ال ما لا نهاية. وخرجت هذه الصورة الجميلة لاحقا التي ادهشتنا بساطتها وجماليتها وشاعريتها.

الصورة الرسمية للرئيس الفرنسي

نشر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يوم الخميس ٢٩ يوليو عبره حسابه الرسمي في تويتر صورته الشخصية الرسمية والتي يفترض انها ستكون الصورة الرسمية التي تنشر مع اخباره وتعلق في المكاتب والمباني الحكومية الفرنسية وسفارات بلاده في الخارج. الصورة التقطتها مصورة الرئيس الفرنسي (Soazig De La Moissonnière ).

الصورة بطبيعتها صورة بورترية مجهز لها كل شيء من اضاءة ومكان وتكوين وكل ما سيظهر في الصورة من اشياء ذات دلالات مباشرة ورمزية مثل وجود الكتب، الساعة، النافذة المفتوحة وعلمين خلف المكتب (علم فرنسا وعلم الاتحاد الاوربي)، وقد تطرق مقال في صحيفة النييورك تايمز عن دلالات كل هذه الاشياء (الزحمة) في الصورة وهي من أهم عيوبها وفي نفس الوقت هذا ما جعلها مختلفة. وعلى سبيل المثال لا الحصر فان النافذة المفتوحة تدل على انفتاح ساسية فرنسا وماكرون وعلى الهواء المنعش في قصر الحكم، العلم الاوروبي بنفس حجم واهمية علم فرنسا له دلالة لموقف ماكرون من الاتحاد، اجهزة الايفون للدلالة على المعاصرة والتقنية، الساعة التي تشير للثامنة والثلث للدلالة على الوقت المبكر للعمل وما الى ذلك. وفي فيديو لما خلف الكواليس نشرته احدى مستشارات الرئيس الاعلامية  يظهر الرئيس الفرنسي قبل التصوير وهو يضع جهازي ايفون على المكتب ثم يفتح كتاب مذكرات شارل ديغول بعناية ويختار صفحة بعينها ويضعه مفتوحا على سطح مكتبه كما يظهر في الصورة.

من وجهة نظري الشخصية أكمل قراءة المقالة

لويزيانا

عدت مؤخرا لمسح ( scan ) مئات من النيقاتيف التي التقطتها خلال اقامتي في امريكا للدراسة من عام 2007 لـ 2010 وللمفارقة انني نسيت الكثير منها فقد كنت في اغلب الاحيان اجرب فيلم او كاميرا او اصور لمجرد متعة التصوير، خاصة بكاميرات القطع المتوسط.

هذه الصورة وجدتها مع صور اخرى التقطتها في طريق عودتي من احدى رحلاتي عائدا من ولاية فلوريدا باتجاه مدينة  اوكلاهوما وكنت حينها مسافرا على الطريق السريع 20. وهي بالتأكيد ملتقطة في ولاية لوزيانا ولا ادري هل هذا المكان عبارة عن نهر او بحيرة بالقرب من الطريق السريع ام انني سلكت احد الطرق الريفية كما هي عادتي في كثير من الاحيان حين اسافر برا في امريكا. بكل تأكيد التقطت الصورة في الاسبوع الاول من يناير 2010 بعد ان قضيت رأس السنة في المدينة الصغيرة (Clear Water) على سواحل خليج المكسيك, وبعدها بيومين انطلقت عائدا مرورا بمدينة تلاهاسي وبنما سيتي ثم جاكسون ميسيسيبي. اتذكر انني قضيت ليلة في جاكسون في موتيل صغير وكانت ليلة موحشة، لذا لم اصدق ان تظهر خيوط الشمس الاولى لانطلق تاركا ولاية مسيسيبي البائسة خلفي متجه غربا.
الفيلم الذي استعملته هو ilford HP5 400 وهو فيلم نادرا ما استعمله ولكن كما يبدو لي كنت اجربه مقارنة بافلام الفورد الاخرى. الكاميرا ماميا من القطع المتوسط 645 واذكر انني اشتريتها من اي باي مع عدستين. ويبدو لي من تباين الصورة انني استعملت فلتر برتقالي.
ما احببته في هذه الصورة هو انها تجسد طبيعة ولاية لويزيانا وهي تقريبا اجود صورة التقطتها في اراضيها، ما لم اكتشف لاحقا ان لدي صور اخرى التقطتها هناك و قد نسيتها.

إليان قونزاليس البطل والضحية

alan diaz

من الصور الصحفية التي منحت مصورها جائزة البولتزر، لفئة صور الاخبار العاجلة، هذه الصورة لشرطي امريكي فدرالي اقتحم مع افراد شرطة اخرين من القوات الخاصة بيت أقرباء الطفل الكوبي اليان قونزالس في ميامي في الثاني والعشرين من ابريل ٢٠٠٠م.

الصورة لها أهمية كبيرة، واثارت جدلا وردود فعل شعبية وحكومية ومعارك اعلامية وسياسية.

والقصة المختصرة، أن اليان قونزالس غادر كوبا وهو في السادسة من عمره برفقة والدته وبضعة كوبيين اخرين كمهاجرين غير شرعيين يطمحون للوصول الى ميامي الامريكية. غرق قاربهم، ولم ينج الا الطفل واثنين اخرين لم تكن والدته من ضمنهم! انقذ اثنين من صيادي الاسماك الطفل ومن نجى معه وسلموهم للسلطات الامريكية التي بدورها سلمت الطفل الى اقرباءه الامريكيين من اصول كوبية في ميامي لحين النظر القضائي في قضيتهم كمهاجرين غير شرعيين.

وبدأ جدل شعبي وحكومي امريكي وكوبي ودولي حول الطفل حين طالب والده المقيم في كوبا بأن يعاد طفله إليه في كوبا لانه غادر مع والدته بدون علمه (والدة قونزالس كانت قد غادرت كوبا بطريقة غير شرعية مع صديقها وبدون علم والد قونزالس!). ونظرا لوجود قانون خاص بالمهاجرين الكوبيين لامريكا قد يمنحهم حق الاقامة في امريكا، رفض أقرباء قونزالس في ميامي فكرة إعادته الى كوبا، ولكن حكم المحكمة الفدرالية الامريكية كان يقضي بإعادة الطفل لكوبا. وتدخلت الجالية الكوبية في ميامي برفض حكم المحكمة والتجمهر امام منزل اقرباء الطفل.

لم تجد الحكومة الامريكية بداً من الدخول عنوة الى المنزل لأخذ الطفل واعادته الى والده! وفي هذه الصورة التاريخية التي وثق فيها مصور وكالة الاسوشيتد برس )ألن دياز( مشهدا تاريخيا يظهر أكمل قراءة المقالة

 ذات سفر

NWCOblackandwhite

ذات سفر، على حدود كولارادو ونيومكسيكو. كانت هذه العجول ترعى ساكنة في مروج الغرب الامريكي.  كانت الظهيرة ,اغرتني تشكيلات السحب والسماء طوال الطريق لالتقاط صورة، ومع ظهور هذه العجول التي قتلت رتابة المنظر وسكونه، قررت أن أتوقف.

كنت استعمل فلما ابيض واسود. ولان مثل هذه السحب تنادي لفلتر أحمر فقد كان لها ذلك. ولانني نسيت انني اضع مسبقا فلتر استقطاب (بولرايزر) على العدسة فقد كانت النتيجة كما هي الان، تباين قاسي في أجمل حالاته، حتى مع خسارتي لاجزاء من اطراف الصورة نتيجة استعمال فلترين معا على عدسة واسعة.

ذلك العجل الابيض (الجفول)،  جفل اولا، أخاف البقية، فشاركوني أنا والسحب مسار رحلتنا جنوبا باتجاه بلاد التاوز شمال نيومكسيكو..

جوليا مارجريت كاميرون.. الرومانسية الأولى

مصلح جميل 2011-08-18 

في السنين الأولى التي كان يحتفل فيها التصوير الفوتوغرافي بواقعيته ويتباهى المصورون بقدرة كاميراتهم على نسخ الواقع ونقل “الحقيقة” التي لا يمكن للرسم تجسيدها كما تفعل الكاميرا، كانت المصورة الإنجليزية جوليا مارجريت كاميرون تمهد طريقاً جديداً للتصوير، وتؤسس لرؤية مختلفة عن السائد في عصرها. ورغم أنها بدأت التصوير كوسيلة للتسلية في نهاية العقد الخامس من عمرها، بعد ما يقارب خمسة وعشرين سنة من إعلان التصوير (1939) إلا أنها تعتبر أحد أهم الفوتوغرافيات في تاريخ التصوير على عدة مستويات.
ولأنها كانت تعيش في العصر الفكتوري والرومانسي، فقد تأثرت كثيراً بالتوجهات الفنية والأدبية في تلك المرحلة حيث تطغى اللمسة الشاعرية على أغلب صورها. بالإضافة إلى استلهامها التاريخي والديني من شخصيات الأساطير الإغريقية ومن رسومات عصر النهضة ومن الأدب الإنجليزي ومن الشخصيات الإنجيلية. وقد استخدمت كاميرون أفراد عائلتها وخدمها كعارضين لتصويرهم وتجسيد الشخصيات التي تريد تصويرها.
صور كاميرون تميزت بأنها غير حادة، أي صور بتركيز/فوكس ناعم لا يظهر التفاصيل. وحتى لو كانت صورها الأولى غير الحادة نتيجة خطأ غير مقصود في آلية تركيز العدسة إلا أنها أسست لها أسلوباً مغايراً، اعتمدت فيه على التركيز الناعم، بالإضافة إلى أن التعريض الطويل الذي تنتج عنه حركة الموضوع المصور وبالتالي تخلق اهتزازاً يعزز من ضبابية الصورة.
ورغم أن صور كاميرون لم تلاق التقدير الذي تستحقه في وقتها، إلا أنها أحبت ما كانت تقوم به وأخلصت لأسلوبها وعرضته للعامة رغم المعارضة الشديدة والنقد الذي تعرضت له. ففي أحد رسائلها إلى العالم والمصور الإنجليزي هيرتشل تقول عن تجربتها، “ما أقوم به في صوري هو تعظيم للتصوير مع تضميني لشخصية من صوره باستعمال الفن الرفيع بجمع الواقعي والمثالي بدون التضحية بالحقيقة، مع تكريس الشاعري والجمالي”. وفي هذه الصورة التي التقطت قبل 150 عاماً تجسد العارضة هنا شخصية أوفيليا حبيبة هاملت في مسرحية الإنجليزي ويليم شكسبير. حيث يبدو أسلوب كاميرون واضحاً في استعمال التركيز الناعم وتأثير الحركة الذي جعل الصورة بالإضافة إلى ضبابيتها تشبه الحلم أو الصورة المتخيلة، ومع ذلك تبدو ملامح أوفيليا الحزينة واضحة. تبدو شاخصة بعيداً عن العدسة وكأن كاميرون صورت أوفيليا في إحدى أشد لحظات حزنها ووحدتها.
وأبعد من استلهام التاريخي والديني، والرومانسية التي عرفت بها، لقد أسست جوليا مارقريت كاميرون عدة مفاهيم مهمة في تصوير البروتريهات وعبرت بروح شاعرية عن المرأة في عصرها، والأهم من ذلك خروجها عن السائد والواقعي وفتح آفاق جديدة للصورة الفوتوغرافية.

المصدر: الوطن

سيدو كيتا..صورة واحدة فقط

saydou

مصلح جميل* 2011-08-11 2:05 AM

في استوديو صغير خلف سجن العاصمة المالية باماكو وعلى الطريق المؤدية إلى محطة القطار عمل المصور المالي سيدو كيتا (سعيد ولكن النطق غير العربي يجعله سيدو) بإمكانات متواضعة لما يقارب الخمسين عاما، صور خلالها عدة أجيال من الماليين ليحظى بشهرة محلية جيدة، انتهت حين سرقت معدات تصويره في نهاية السبعينات ليتحول إلى عامل تصليح دراجات وينتقل كنز فني من سلبيات الصور إلى صناديق في غرفة الجلوس في منزله.
في منتصف التسعينات من القرن الماضي بعد أن تقاعد عن التصوير بـ25 سنة، لعب الحظ دورا جوهريا في نقله من المحلية إلى العالمية بعد أن عرضت له ثلاث صور فوتوجرافية في أحد متاحف نيويورك، تحت اسم “مصور غير معروف”.
أدهشت تلك الصور الكثيرين بجودتها مما حدا بأحد الفرنسيين المهتمين بسوق الصورة للسفر إلى مالي للبحث عن الفنان المجهول. وبعد الاتفاق على عرض وتسويق صوره في أوروبا أصبح كيتا في مصاف مشاهير فناني البورتريه في العالم، وأصبحت صوره تعرض في المتاحف في أوروبا وأميركا وتباع النسخة الواحدة بعشرات الآلاف من الدولارات.
كيتا علم نفسه التصوير، بدأ التقاط الصور لزبائنه في الشارع بخلفيات متواضعة وأدوات زينة بسيطة، وفي أحيان كان يشتري دراجات وسيارات مستعملة ليتصور معها زبائنه، وبالإضافة إلى ذلك استعمل جدران الشوارع كخلفيات، وفي أحيان كان يستعمل قماشا كخلفية وفي صور أخرى يستعمل ذات القماش كغطاء لطاولة أو مقعد. والأكثر طرافة أنه استعمل في بداياته “ملاءة” سرير نومه كخلفية في بعض صوره، ومع ذلك، كان مطلوبا ليصور طبقات المجتمع المالي من عمال وحرفيين وبرجوازيين ومسؤولين، كوّن من خلالها أرشيفا بصريا لا يقدر بثمن للآلاف من الماليين الذين يعيشون في تلك الفترة تحت الاحتلال الفرنسي وكانوا يطمحون لشكل من الحياة المدنية الحديثة عبر تجسيد كيتا لهم، متأنقين ومرتدين ثيابا وإكسسوارات حديثة.
أرشيف كيتا أضاف لفن البورتريه فنانا فريدا في أسلوبه، وصورا ذات قيم جمالية وثقافية عالية. ولعل أبرز ما يميز صوره هو أسلوبه في توجيه زبائنه ليقفوا أمام الكاميرا، فقد كان يردد عليهم حين يطلب منهم الوقوف بطريقة معينة، “إنك تبدو جميلا بهذا الشكل”. ولم يكن أمامهم إلا الموافقة على قراراته كمصور إذ لم يكن يلتقط في أغلب الأحيان إلا صورة واحدة لكل زبون نظرا لقلة إمكاناته وإمكانات زبائنه.
وكما صرح لاحقا عن سر جماليات صوره “من السهل التقاط صورة ولكن ما يصنع الفرق أنني كنت أعرف دائما كيف أجد الوضعية المناسبة للشخص الذي أصوره ولم أكن أبدا مخطئا، يتم توجيه رؤوس من أصورهم بحركة بسيطة، وأياديهم توضع بطريقة معينة، كنت قادرا على أن أجعل أي شخص يبدو رائعا، صوري كانت دائما جيدة، لذلك أقول: هكذا هو الفن الحقيقي”.
ليس سر جمال صور كيتا في كيفية تصوير زبائنه فقط، بل في أصالة الصور التي وثقت الماليين بشكل مختلف عن النظرة النمطية التي يصورها أو يرسمها المستعمر الأجنبي لـ”الإنسان الأفريقي”، فالماليون في صور كيتا “مليئون بالحياة، يعيشون حياة مدنية وواثقون بأنفسهم”. وفي أغلب صوره، يبدو كما لو أن الناس مروا بالصدفة من أمام كاميرته غير متكلفين وكأن الوقوف أمام كاميرا كيتا لم يكن إلا أمرا عابرا ضمن برامج حياتهم اليومية التي قد تكون زيارة لحبيبة أو ذهابا إلى العمل أو حتى انتظارا على كرسي في شارع ما.
ونرى في صورة الشاب الذي يحمل الوردة، والفتاة الجالسة على الكرسي أكثر الأمثلة على فن كيتا في تكييف زبائنه أمام الكاميرا، فيد الشاب اليسرى تأخذنا باتجاه الوردة المنتصبة بأناقة باتجاه السماء، بينما الفتاة الجالسة تجبرنا حركة يديها أن نظل معها في حالة انتظار في دوامة بصرية من الذراع إلى الكف إلى اليد الأخرى ثم الرأس والعودة في ذات المسار.
أثبتت أغلب صور كيتا حسه العالي تجاه التكوين والتباين والتأطير ممثلة في استعماله لخلفيات بسيطة ولكنه يخترع في كل مرة صورة جديدة وفريدة. لقد استطاع أن ينتج صورا في غاية الجمال والحميمية، وأن يوثق حياة سكان مدينة باماكو بطريقة لم يحظ بها أي من المجتمعات الأفريقية المماثلة.
* كاتب ومصور سعودي

مصدر الصور: موقع سيدوكيتا

المصدر: الوطن

لقراءة الموضوع بصيغة PDF

روبرت كابا..التقاط لحظة الموت

robert capa

مصلح جميل* 2011-08-04 1:54 AM

“إذا لم تكن صورك جيدة بما يكفي، فإنك لم تكن قريبا بما فيه الكفاية”. هذه العبارة هي إحدى أهم العبارات التي قالها المصور الصحفي المجري (الأميركي لاحقا) روبرت كابا الذي عاش حياته الصحفية ملتزما بهذه العبارة في تغطيته للحروب والصراعات. ورغم حياته القصيرة، التقطت كابا عددا من الصور الأيقونية التي لا تزال محل اهتمام ودراسة حتى اليوم. ولعل أهمها ما عرف بصورة (الجندي الموالي لحظة الموت) والتي التقطها لجندي مجهول من المحاربين ضد حكومة الحاكم الإسباني فرانسيسكو فرانكو عام ١٩٣٦. ويظهر الجندي متراجعا وفي حالة سقوط في ذات اللحظة التي أصابته طلقة نارية في منطقة قرطبة الإسبانية. وتعتبر هذه اللقطة إحدى أهم صور الحرب في القرن العشرين، كما أنها أصبحت أيقونة الحرب الأهلية الإسبانية ومن أهم الوسائل التي جعلت الكثيرين يتعاطفون مع الثوار ضد حكم فرانكو في تلك المرحلة.
حين نشرت الصورة في حينها في عدة مجلات أوروبية وأميركية طُرح الكثير من الأسئلة عن مدى مصداقية الصورة، وهل مُسرحت أم إنها حقيقية. ثم طرحت أسئلة عن هوية الجندي المقتول ومكان التقاط الصورة، ومؤخرا نشرت النيويورك تايمز تقريرا لباحث إسباني يقول إن الصورة التقطت في مكان آخر ليس كما ذكر كابا في شرح الصورة. وكل هذه الأسئلة والنقاشات حول الصور زادتها أهمية وشهرة. وفي الجانب المقابل، طرحت عدة نظريات ودراسات تثبت أن اللقطة أصيلة وتستحق كل ما حصدته من اهتمام. مع ذلك تظل هذه الصورة مؤثرة ومباشرة لمن يشاهدها دون أن يدرك كل الجدل الدائر حول مصداقيتها من عدمه، ففيها يتضح للمتفرج لحظة من حياة إنسان يبدو فيها بين الحياة والموت.
وبالإضافة إلى صورة الجندي الإسباني، التقط كابا الكثير من صور الحروب، أهمها صورة لجنود الحلفاء في الحرب العالمية الثانية على شاطئ أوماها أو ما يعرف بـ (إنزال الجيوش في النورماندي). ولأن كابا كان المصور الوحيد مع الموج الأول من الجيوش فقد أصبحت صوره القليلة التي سجلت تلك اللحظة من أهم التوثيقات البصرية لتلك اللحظة وأصبحت مرجعا لكثير من الدراسات والأفلام السينمائية التي تتناول تلك المعركة.
صور كابا بمجملها تقرأ بشكل عام على أنها تمثل موقفه ووسيلته، “لشجب الحروب ومناصرته للحرية”. وأسلوبه في التصوير الذي أسس لنظرية الاقتراب من الموضوع. وهذا المبدأ الذي أمن به كابا، الاقتراب من الموضوع، ربما كان السبب الذي أدى إلى مصرعه حين كان يقوم بتغطية الصراع الدائر في فيتنام ليتوغل أكثر في ساحة المعركة من أجل الحصول على صورة جيدة، حينها وطئ لغما أرضيا لتنتهي حياة واحد من أهم مصوري الحرب في القرن العشرين.
* كاتب ومصور سعودي

الصورة: من تصوير روبرت كابا photo by Robert Capa

“البركة – ضوء القمر” لإدوارد ستايتكن

edward steichen

مصلح جميل** كاتب وفوتوجرافي سعودي 2011-07-28 4:46 AM


أكثر من مائة عام مرت منذ طبع الفنان الأميركي إدوارد ستايتكن صورته الفوتوجرافية “البركة – ضوء القمر” (1904) ولا تزال هذه الصورة تحتفظ بمكانتها الرفيعة والتاريخية في مسيرة الفن الفوتوجرافي. والمكانة والأهمية التي نالتها هذه الصورة تشكلت لعدة أسباب فكرية وفنية وتاريخية.
ستايتكن على المستوى الفني هو أحد عرابي الحداثة الفوتوجرافية في مطلع القرن العشرين والتي سميت بالتصويرية (البكتوريليزم). والتصويريون هم أحد نتاج الحداثة التي أثرت على كل أشكال الفنون في تلك المرحلة. ولا غرابة أن يكون ستايتكن ممارساً ومنظراً لهذه الحركة؛ حيث يعتبر من الأميركيين الذين عاشوا في باريس وعاصروا أهم رواد الحداثة من الرسامين أمثال سيزان وبيكاسو، والأهم من ذلك لقاؤه وشراكته مع صديقه الفوتوجرافي ألفريد ستيقلتز.
صورة ستايتكن التي التقطها في نيويورك تعتبر صورة أيقونية لتلك المرحلة الغنية من تاريخ التصوير الفوتوجرافي، وهي أحد أهم بقايا مرحلة الحداثة في التصوير الضوئي، حين بدأ مجموعة من المصورين في أميركا وأوروبا بمحاولة تخليص التصوير الضوئي من واقعيته التي لا ترتقي به ليكون فناً كما كانوا يعتقدون. وبعد بضعة عقود من ولادتها اندثرت حركة التصويريين، ولكن صورة ستايتكن احتفظت بمكانتها كإحدى أهم الصور في تلك الحركة الفنية. بالإضافة إلى أنها من أوائل الصور الملونة التي أنتجت في تاريخ التصوير الضوئي، وطبعها ستايتكن بطريقة الطباعة بالصمغ، وهي طريقة معقدة وقد تستغرق أياماً بنتائج غير مضمونة.
وفي هذه الصورة التي تبدو بألوان باهتة وبملمس خشن أقرب إلى اللوحة التشكيلية منه إلى الصورة الفوتوجرافية، قد تبدو صورة أقل من عادية خاصة مع تعود العين المعاصرة على نتاج الكاميرات الرقمية الحادة والمشبعة بالألوان، ولكن هذه التأثيرات كانت المطلوبة كما اعتقد ستايتكن ورفقاؤه لترتقي الصورة إلى مستوى الرسم. ومما يميز هذه الصورة هو شاعريتها حيث تبدو بركة محاطة بالكثير من الأشجار، ويظهر القمر فوق خط الأفق بين فرجة جذوع الأشجار منعكساً ضوؤه على البركة. ورغم أن ستايتكن عاش ما يقارب السبعين عاماً بعد طباعته لهذه الصورة إلا أنه لا يوجد منها إلا ثلاث نسخ، بيعت إحداها قبل بضعة أعوام بثلاثة ملايين دولار أميركي، وهو رقم قياسي في تاريخ فن التصوير الضوئي.
هذه الصورة رغم أهميتها بالنسبة لمصورها ستايتكن إلا أنها ليست إلا مجرد إحدى أهم إنجازاته الفوتوجرافية، حيث قدم الكثير من الأعمال ورعى كثيراً من المعارض، وساهم في تشجيع وتقديم عدة مصورين في النصف الأول من القرن الماضي، وتظل صورة “البركة – ضوء القمر” شاهداً ونتاجاً لمرحلة فكرية وفنية مهمة.

جريدة الوطن

الصورة لـ edward steichen

صورة شخصية لـ أمريكا

President Barack Obama by Doug Mills, The New York Times

رغم أني استمتع أكثر بتصفح النسخة الورقية من اليو أس أي تودي لما تحتويه من صور ورسومات توضيحية، إلا أن للصورة الوحيدة، غالبا، التي تنشر على صفحة الأولى لـ النيويورك تايمز متعة مضاعفة. فهي، الصورة الرئيسية أو الوحيدة، تختار بعناية لتجسد الخبر الأكثر أهمية من الناحية التحريرية. لذا عندما أشاهد الصورة الرئيسية اشعر كقارئ بأنني تلقيت، بصريا، الخبر الأكثر أهمية. وحين تكون تلك الصورة بليغة، تصبح قراءة الخبر عملية أسهل أو في حالات غير مهمة.  صورة الرئيس الأمريكي باراك اوباما التي التقطها مصور النيويورك تايمز داوق ميلس اقتنصت أكثر من الحالة الشخصية لأوباما، و نقلت أكثر من خبر.

من متابعتي للانتخابات الأمريكية الرئاسية في العام 2008م وحتى النصفية الأخيرة، لاحظت مزاجية المواطن الأمريكي “سياسيا”. انتخاب مرشح من اصل افروأمريكي للرئاسة لا يمكن اعتباره قائم بشكل مطلق على الأجندة السياسية للمرشح. بل يتعدى ذلك إلى حالة مزاجية أمريكية بالرغبة بالتغيير. ربما شعور بالإحباط من الأوضاع داخليا وخارجيا. ربما كان يبحث كثير من الناخبين عن حالة مزاجية متفائلة. عن أمل يلتقطهم من سوداوية الواقع السياسي والاقتصادي في تلك المرحلة.

بعد سنتين من الحالة النفسية الباحثة عن والمنتظرة للتغيير، يبدو أن الوضع يقترب من العودة “نفسيا” إلى ما كان عليه.  في سبتمبر الماضي قالت سيدة أمريكية بيأس وإحباط للرئيس اوباما إنها “منهكة من الدفاع عن اوباما وعن إدارته”!

هذه الصورة التقطت أثناء مؤتمر صحفي في اليوم التالي لنتائج الانتخابات النصفية الأمريكية التي خسر فيها الديمقراطيين عدة مقاعد في مجلس النواب لتصبح السيطرة فيه للجمهوريين بالإضافة إلى فوزهم، الجمهوريين، بعدة مقاعد في مجلس الشيوخ، وفيها –أي الصورة- تظهر ملامح اوباما، لتنقل لنا حالته المزاجية النابعة من الإحباط والاستياء. ولكنها، هذه الملامح/هذه الصورة تعبر عن حالة أشمل.  أمام الصورة التي التقطها ميلس بعدسة 600 ملم نجد أنفسنا أمام اوباما وفي وضع يسمح لنا بتأمل مدى إحباطه وعزلته. نرى تلاشي حالة الأمل. وتظهر حالة من الشعور بالخذلان والتعب.

ميلس، الذي يعمل منذ سنوات مصورا للنيويرك تايمز في البيت الأبيض، ذكر ذات حوار صحفي أن عملية اختيار صورة الصفحة الأولى في النيويورك تايمز عملية صعبة تتم عن طريق هيئة التحرير ولا يمكن للمصورين أن يقرروا أي صورة ستظهر صباح اليوم التالي على الصفحة الأولى. اختيار هيئة التحرير لهذه الصورة هو قرار نشر صورة شخصية  لـ أمريكا. صورة الأحباط وتلاشي الأمل أو كما عبرت السيدة الأمريكية، عن حالها “أنا منهكة”.

مصدر الصورة:the new york times